(المحْبَس) ...
هل هو قيد في إصبع الآخر ام طوق نجاة؟؟
رانيه حداد
من هناك يبدأ الحلم، يبدأ صغيرا في حضن طفلة تأخذ دميتها بين ذراعيها، تهدد لها مانحة ايّاها جل ما تجود به غريزتها الامومية الكامنة، و في عقل طفل يستهويه السلاح، ويسحره الشعور بأنه قوي، وقادر على حماية الطفلة أو تهديدها، ثم يكبر الحلم إلى أن يشق طريقه إلى واقع مجسدا بفستان ابيض، وبدلة سوداء، وزوج من المحابس الذهبية يجمعهما في رباط مقدس.
من الطريف أن العروس ترتدي في زفافها الأبيض، والمرتبط في ذاكرتنا الجمعية بالخير والسلام، في حين يرتدي العريس الأسود والمرتبط في ذاكرتنا بالشر والحرب... ترى هل لذلك علاقة بأنثى وديعة مسالمة، وذكر متسلط وعنيف ؟
ام أن لهذا دلالة أخرى ترتبط بالتوازن بين لونين قوتين، أو طرفين مختلفين، لكنهما متساويان في الحقوق والواجبات، فيكمل كل منهما الآخر على اختلافه ؟
" ما جمعه الله لا يفرقه إنسان "
بهذه الآية غالبا ما يتوج الكهنة مراسم الزواج، معلنين بأن اصبح الاثنان جسدا واحدا يربطهما رباط سماوي مقدس، لا يسمح لأي إنسان كان أن يفكه، وليصبح معها الطلاق - بما هو انفصال تام وإمكان لارتباط جديد- أمرا شاقا وصعبا حيث في احسن الأحوال ما تتيحه الكنيسة بطوائفها هو فك ارتباط جزئي، وليس كاملا من خلال الانفصال، تستثنى من ذلك طائفة الروم الأرثوذكس، والتي هي في تقديري اكثر الطوائف مرونة وحداثة في التعامل مع هذا الموضوع تحديدا، والذي اصبح الكثير من أبناء الطوائف الأخرى، والراغبين في وضع حد لمتاعب حياتهم الزوجية البائسة يحولون انتسابهم إليها، فالتغير من طائفة الى طائفة أخرى لها ذات الدين يبرز كحل معقول، وافضل من تغير الانتماء الديني برمته، الى انتماء ديني آخر مختلف تماما بغية تحقيق إمكان الطلاق.
فلما لا تعيد الكنيسة - بكامل طوائفها - النظر في هذا الموضوع، واضعة نصب عينيها ان الله إذ بذل ابنه الوحيد ليخلص البشرية من خطيئتهم فذلك كي يمنح فرصة جديدة لحياة افضل، اجمل لأبنائه الذين يحبهم، وان أرادت الكنيسة أن تقتدي بالله فعليها إتاحة فرصة جديدة لحياة افضل للإنسان المسيحي دائما، من خلال امتلاك مرونة كافية تتلاءم ومستجدات الحياة، فتُقلّب الأمور، وتفتح باب الاجتهاد في أمور كان من غير الممكن النظر فيها، ومن هذه الأمور الطلاق الذي تحتاجه بعض الأسر المسيحية، حيث أن تحريم الطلاق لن يحمي من التفكك أُسر آيلة للسقوط، لكنه قد يعيق ما يمكن للطلاق أن ينقذه، فالإنجيل وان كان يحرم الطلاق، إلا انه يبيح في نطاق ضيق جدا، ومحدود يرى معها استحالة استمرار العلاقة بين الطرفين، هذا لا يعني ان يكون الطلاق متاحا لكل من أراد الانفصال لابسط الأسباب، فيعود لأعضاء هيئة المحكمة الكنسية الفصل فيه.
فلماذا لا تمنح فرصة تصحيح الأوضاع لمن أساء الاختيار، فسواء كان الطرفان متحابين أم لا فقد تكتشف التجربة الفعلية بعد الزواج بتفاصيلها اليومية أن لا شيء يجمعهما، أو على احسن تقدير انه رغم القواسم المشتركة بينهما، من الصعب لحياتهما أن تستمر، فهناك الكثير من الأسباب التي من الممكن أن تحيل هذه الحياة المشتركة إلى جحيم من الخلافات، قد يُعزى بعضها إلى اختلاف الطبائع، أو الأمزجة اختلاف البيئة، أو تباين المستوى الثقافي، والتعليمي، أو النظرة التقليدية إلى المرأة، وما إلى ذلك من أمور لا تمنح فترة التعارف والخطوبة القدرة على معرفتها أو التكهن بها، حيث يلزم للكثير منها مدة زمنية، وتجربة عملية تعاش يوم بيوم تحت سقف واحد لاكتشافها، وبما أن هذه الفرصة التي قد تتيحها المساكنة مرفوضة دينيا واجتماعيا، يبقى للأغلبية أن تتفاجأ بمجمل الأمور بعد الزواج، مما يجعل من الضروري أن تفسح الكنيسة حيزا للأمل يُخرج العلاقات من ظلمتها، ويتجدد معه إمكان بناء علاقة أخرى يتوسم فيها النجاح - مقرونة بحس مسؤولية عالي في الاختيار- كي لا يغدو الزواج في المسيحية حكم بالمؤبد عقوبة كل من أساء الاختيار وفشل في البناء، ترى لهذا يدعى خاتم الزواج ب (المحْبس)؟؟
هل اشتق الاسم من الحبس مثلا ؟
هل هو قيد في إصبع الآخر ام طوق نجاة، ليصل بكليهما إلى بر الأمان؟
0 التعليقات:
إرسال تعليق